قالت مجلة "هورن ريفيو" إن مطالبة وزارة الخارجية الأمريكية لرعاياها بمغادرة عدد من دول الشرق الأوسط على الفور، ومن بينها مصر، في أعقاب العملية العسكرية الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران تشكل تحولاً هامًا في نظرة واشنطن للمخاطر الإقليمية، في إطار إعادة تقييم أوسع للاستقرار والتحالفات في منطقة تعاني من تصاعد الصراع.
واعتبرت أن إدراج مصر ضمن هذه الدول مباشرةً تدل على تغيّر في نظرة الولايات المتحدة إلى القاهرة. إذ باتت تُعتبر الآن موقعًا مُعرّضًا لخطر التدهور السريع نتيجةً للضغوط الاقتصادية، وتغيّر العلاقات الأمنية، وتوتر العلاقات مع إسرائيل، وكلها عوامل تتفاقم بفعل المواجهة المتصاعدة مع إيران.
بؤرة غير مباشرة لعدم الاستقرار
وأشارت إلى أنه على عكس دول أخرى، لم تُظهر مصر مؤشرات واضحة على انهيار حكومي أو وجود إيراني مباشر، إلا أنها كانت تعاني من نقاط ضعف كامنة قد تحولها إلى بؤرة غير مباشرة لعدم الاستقرار.
وقالت المجلة الإثيوبية إن مصر استمدت أهميتها من سيطرتها على ممرات بحرية رئيسة كقناة السويس والبحر الأحمر. وظلت هذه المناطق عرضة للتدخل الإيراني دون الحاجة إلى غزو شامل. وبينما وجّهت إيران تهديداتها في الغالب نحو الخليج العربي، أتاح لها البحر الأحمر مجالاً للقيام بعمليات غير متكافئة عبر وكلاء مثل الحوثيين، القادرين على تعطيل الملاحة البحرية العالمية بشكل أكبر.
وأدت الاستراتيجيات السابقة بالفعل إلى خفض إيرادات قناة السويس بأكثر من 60 بالمائة في عام 2024، حيث انخفضت من مليارات إلى رقم أقل بكثير، على الرغم من حدوث تعافٍ جزئي بحلول عام 2026، كما رصد التقرير.
وحذّر من أنه قد يؤدي نزاع طويل الأمد إلى تجديد الجهود لاستهداف هذه الطرق، ليس من خلال الاحتلال المباشر، ولكن عن طريق ردع حركة السفن، الأمر الذي من شأنه أن يضع مزيدًا من الضغط على الاقتصاد المصري، نظرًا لأن القناة تشكل مصدرًا حيويًا للإيرادات من أجل الاستقرار المالي.
رسوم القناة
ورأى أن الاعتماد على رسوم القناة في ظل ديون تقارب 85 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي أمر محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي هذا الوضع إلى التضخم ونقص الموارد في حال تكررت الاضطرابات.
وتحت وطأة الضغوط المالية، قد تنشأ اضطرابات اجتماعية تُهدد سلطة الحكومة بوتيرة أسرع من العدوان الخارجي، بحسب ما يتكهن التقرير. وعلى النقيض من الميليشيات الإيرانية المتجذرة في سوريا والتي تُطيل أمد الصراع، أو علاقات اليمن بالحوثيين التي تُبرر حالة التأهب المستمرة، ارتبطت تهديدات مصر بدورها الدبلوماسي في المنطقة، والذي بات موضع تساؤل في ظل ضغوط اقتصادية قد تُجبرها على تغييرات سياسية صعبة، وفق التقرير.
بالإضافة إلى ذلك، تصاعدت التوترات مع إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق بشبه جزيرة سيناء، مما خلق مخاطر تورط غير مقصود في الصراع. وقد ساهمت معاهدة السلام لعام 1979 في الحفاظ على هدوء نسبي من خلال نزع السلاح من المنطقة والحد من الانتشار العسكري. إلا أنه بحلول عام 2026، أعرب مسؤولون إسرائيليون عن قلقهم إزاء زيادة الوجود العسكري المصري وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة في سيناء، معتبرين ذلك خرقًا للاتفاقية.
وأبرزت "هورن ريفيو": "تحوّل التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة إلى شكوك متبادلة، لا سيما فيما يتعلق بإدارة الحدود ومعبر رفح. وفي سياق العملية ضد إيران، حتى الحوادث البسيطة على طول الحدود قد تتصاعد، مما قد يجر مصر إلى صراعات هامشية رغم رغبتها في البقاء على الحياد، وبالتالي يزيد المخاطر على المدنيين، وهو ما دفع إلى إصدار البيان بنبرة تحذيرية".
محطة الضبعة النووية
وذكرت في الوقت ذاته إن التقدم الذي أحرزته مصر في مجال الطاقة النووية شكل مصدر قلق آخر طويل الأمد. فعلى الرغم من تأكيدها على أن نواياها مدنية، إلا أن هذا التطور أثار تساؤلات استراتيجية في منطقة تركز أصلاً على الانتشار النووي وتسعى في الوقت نفسه إلى الحد من البرنامج النووي الإيراني.
ويهدف مشروع محطة الضبعة النووية، الذي بُني بمساعدة روسية وكان من المتوقع أن يبدأ تشغيله حوالي عام 2028، إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة. إلا أنه أثار قلق إسرائيل بشأن احتمالية حدوث تحولات في ديناميكيات القوى الإقليمية.
وعلى الرغم من أن هذا المشروع لم يكن يهدف إلى تطوير أسلحة بحسب التقرير، لكنه رأى أن إدخال تكنولوجيا المفاعلات النووية إلى منطقة مضطربة قد يؤدي، عن غير قصد، إلى انتشار هذه التكنولوجيا. ويتوافق هذا الوضع مع مصالح الولايات المتحدة في دعم إسرائيل، ويفسر سبب اعتبار مصر مكانًا ينطوي على مخاطر محتملة، حتى وإن كانت غير مباشرة.
وكانت هذه المخاوف مترابطة مع علاقات مصر الدولية المتنوعة. فقد وازنت بين المساعدات الأمريكية والشراكات مع روسيا والصين، مما وفر لها مرونة، ولكنه في بعض الأحيان أدى إلى تعقيد التحالفات خلال الأزمات.
وذكر التقرير أن القاهرة تتلقى دعمًا عسكريًا أمريكيًا كبيرًا، لكنها سعت أيضًا للحصول على أنظمة عسكرية من موسكو، مثل نظام HQ-9B، وطورت علاقات اقتصادية مع بكين.
وفي الوقت نفسه، حافظت مصر على حوار مع وسطاء مثل تركيا وقطر. وفي عام 2026، مكّنها هذا النهج من المشاركة في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد إيران دون التزام كامل. ومع ذلك، أثار هذا النهج مخاوف الولايات المتحدة بشأن غياب التماسك، وقدّم التوصية كوسيلة لتشجيع تعاون أوثق.
استغلال إيران لموقع مصر
وكان من بين الاعتبارات الأساسية خطر استغلال إيران لموقع مصر من خلال عملياتها الهجينة. إذ يمكن لطهران استخدام أساليب منخفضة الحدة لتحويل الموارد عن الصراع الرئيس. وقد تُفعّل شبكات في سيناء، مرتبطة بوكلائها، لإحداث اضطرابات أو القيام بأنشطة إلكترونية دون استخدام القوات التقليدية.
وقالت المجلة إن هذه المخاوف تتداخل مع علاقات مصر الدولية المتعددة الأوجه، والتي لطالما جعلتها قوة توازن هشة، وليست في نهاية المطاف شريكًا موثوقًا به تمامًا في منطقة مضطربة. تستفيد القاهرة من مساعدات عسكرية أمريكية كبيرة، بينما تعزز مرونتها الاستراتيجية من خلال علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين. كما تحافظ على حوارات مع وسطاء مثل تركيا وقطر، متجنبةً الالتزام الكامل بأي تحالف.
وفي خضم عملية "الغضب الملحمي"، رأت أن هذا النهج مكّن مصر من تجنب الانخراط المباشر في التحالف، لكنه أثار شكوك الولايات المتحدة حول ولائها. وقد جسّد صمت القاهرة المبدئي في 28 فبراير، وما تلاه من إدانات لضربات إيران على "الدول العربية الشقيقة"، ودعوات السيسي للتضامن مع قادة الخليج، مؤكدًا على السيادة العربية في خطابه في الأول من مارس، خطاباً حذرًا.
https://hornreview.org/2026/03/13/why-the-u-s-department-of-state-told-americans-to-flee-egypt/

